القائمة الرئيسية

الصفحات

تحليل مقال فلسفي حول الحقيقة طريقة جدلية

تحليل مقال فلسفي حول الحقيقة






الطريقة : جدلية طرح المشكلة :
إنَّ أقصى ما يطمح إليه الإنسان هو الوصول إلى الحقيقة , ونقصد بالحقيقة هي المعرفة الكلية الشاملة التي تمتاز بالثبات والمطلقية, ولقد تباينت آراء الفلاسفة فمنهم من أقر بوجود حقيقة مطلقة و العقل مُدرك لها, وفي المُقابل هناك من يؤكد عدم إمكانية بلوغها و يرى أنَّ الحقيقة لا تتجاوز النسبية و لا وجود لشي نهائي يجب الوقوف عنده مادام العلم في تغير مستمر بل وكيف للإنسان بلوغ الحقيقة المطلقة وهو الكائن النسبي؟ ألا يُعد تناقضاً ؟ و منه نطرح التساؤل التالي : هل الحقيقة نسبية أم مطلقة ؟
2-محاولة حل المشكلة :
الاطروحة الاولى: يرى أنصار الموقف الأول أنَّ الحقيقة مطلقة أي أنَّها لا تستمد وجودها من غيرها وقائمة بذاتها , كما أنها تمتاز ب (الوحدة/ الشمول/ الكلية / الأزلية / الأبدية...), ويتزعم هذا الموقف كل من الفلاسفة المثالين و العقلانيين وعلى رأسهم (أفلاطون/ أرسطو/ ديكارت/ سبينوزا / كانط / المتصوفة....).
حيث نجد أفلاطون الذي بدوره قسم العالم إلى قسمين العالم الحسي المزيف الذي نعيش فيه وكل الحقائق التي نصل إليها هناك نسبية وهمية و العالم المثالي الحقيقي حيث (الكمال, الخير, المطلقية..), ويتم الوصول إليه عن طريق استخدام العقل أي من الأدنى إلى الأعلى, أما بالنسبة لأرسطو فالحقيقة تكمن في:" المحرك الذي لا يتحرك" فالمحرك هو الله الذي يُحرك الكون بكل ما فيه من أسباب و مُسببات, الذي لا يتحرك أي الذي يتصف بصفات الكمال و الثبات والمطلقية ولا يحتاج لغيره أي يستمد وجوده من ذاته, فهو جوهر الوجود, أما بالنسبة لديكارت الذي يعتبر أنَّ معيار الوضوح و البداهة هو مصدر الحقيقة حيث يقول ديكارت في هذا الصدد:" لا تُصدق إلاَّ ما هو بديهي"," فإننا نجد “ديكارت” لا يعترف بالمعرفة الحسية وجعل من الشك المنهجي الطريق الأساسي لبلوغ الحقيقة و وسيلته في ذلك هي العقل نفسه فالحقيقة عنده هي مالا ينتهي إليه الشك وعلى هذا الأساس لا يكون الحقيقي إلا ما هو واضح و بديهي ومتميز أو بتعبير آخر إن معايير الحقيقة تتلخص في "البداهة و الوضوح" ومن هذا المنطلق نستطيع إن نفهم الكوجيتو الديكارتي :"أنا أفكر إذن أنا موجود" فخاصة التفكير هي حقيقة الوجود البشري حسب ديكارت فإذا توقف الإنسان عن التفكير توقف عن الوجود ولهذا نجده يؤكد على أن الحكم الصادق يحمل في طياته معيار صدقة وهو الوضوح الذي يرتفع فوق كل شيء ويتجلى هذا في البديهيات التي تبدو ضرورية و واضحة بذاتها كقولنا الكل اكبر من الجزء وهو القائل :"أن الأشياء التي نتصورها تصورا بالغ الوضوح و التمييز هي صحيحة كلها" رحموني عمر
حيث يقول سبينوزا:" فكما أنَّ النور يُوضح نفسه بنفسه و يوضح معه الظلام كذلك الصدق هو معيار نفسه و معيار الكذب..." فهل يمكن ان يكون هناك شيئا أكثر وضوحا و يقينا من الفكرة الصادقة يصلح أن يكون معيارا للحقيقة, فالأشياء البديهية , البسيطة, الصادقة كلها أشياء حقيقية, بالإضافة إلى كانط الذي يُقر بأنَّنا نصل إلى الحقيقة عن طريق العلم الرياضي لأنه يقيني ومطلق, أما الحقيقة بالنسبة للصوفية تكمن في بلوغ الحقيقة عن طريق "الإلهام" وهو نور يقذفه الله في قلب المؤمن نتيجة صفاء القلب فيكشف الله له عن الحقائق الربانية والأسرار الغيبية لصاحبها, كما يرى أبو حامد الغزالي "الكشف هو الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغبية و الامور الحقيقية عن طريق الإلهام وهو العلم الذي يقع في القلب, حيث يقر إبن رشد بأنَّ "الحقيقة واحدة و لكن تتعدد الطرق في الوصول إليها"وبالتالي فالحقيقة المطلقة و القصوى هي الحقيقة الميتافيزيقية الغيبية وهي "الله" .
نقد: الإدراك العقلي لمختلف الموضوعات لا يمكن أن يكون برهاناً على وجود حقيقة مُطلقة, أيضاً كيف نُفسر تعدد الحقائق العلمية المُتوصل إليها قديماً وحديثاً. فإننا نجد أن النسبية خاصة أساسية من خصائصه ومن الأزمات التي عاشتها المعارف و تغيرها إلا دليل على دلك ولدلك فان الإيمان بوجود حقيقة مطلقة يجعلنا نلجأ إلى معيار ذاتي باعتبارها مرتبطة بالإدراك العقلي ، هدا الأخير لا يخلو من الاعتبارات الشخصية,كما أن معيار الوضوح مقياس ذاتي لان ما يكون واضحا لشخص ما قد يكون غامضا و مبهما لشخص آخر, الكل حسب مداركه العقلية و الحسية فمثلاً كانت فكرة أن الأرض ثابتة و مسطحة حقيقة لوضوحها ليتبين في ما بعد خطأها , ثم ما فائدة حكم صادق في ذاته ما لم تبين التجربة صدقه على أرض الواقع.
الاطروحة الثانية: الحقيقة نسبية لأنها تستمد وجودها من غيرها , كما أنَّها مرتبطة بالواقع الحسي و لا توجد خارج عنه, لأنها (محدودة/ جزئية/ متغيرة....),وهذا ما نجده في العلوم التجريبية , ما دام الواقع متغير فإن الحقائق متغيرة.ويتزعم هذا الموقف كل من "العلماء, البراغماتية, الوجودية ..."
العلماء: (نيوتن/آينشتاين/علماء الكوانتم...), يُثبت التاريخ العلمي أن كل الحقائق التي وصل إليها العلم نسبية و ليست مطلقة وذلك لانَّ الإنسان نسبي فكيف للنسبي إدراك المطلق , حيث نجد في مسار العلم دليل قاطع على أن حقائقه متغيرة فمثلاً نجد نيوتن الذي أقر بالزمان و المكان المطلقين ليأتي من بعده آينشتاين الذي بدوره فند ما أتى به نيوتن أي أنَّ الزمان و المكان نسبيين كما جاء علماء الكوانتم ليُفندوا الكثير من النظريات التي كان العلم يؤمن بأنها لن تتغير وهو اللاحتمية في الفيزياء كاستحالة تحديد موقع الجسيم وحركته في آن واحد, كما أنه بمجرد ملاحظة الشيء وتسليط الضوء عليه تتغير تركيبته و بالتالي يستحيل الوصول إلى حقيقة الشيء في حد ذاته , كما أننا نجد في كل الدراسات العلمية و بمجالاتها المختلفة تدخل شيء ميتافيزيقي يعجز عنه العلم و هذا دليل هو الآخر على نسبية العلم.
بالإضافة إلى ذلك نجد البراغماتية ففي بداية القرن 20 م استغل أصحاب النظرة البراغماتية فكرة النسبية العلمية لبناء مذهبهم متخذين المنفعة مقياسا للحقيقة ويتزعمها كل من (بيرس/ وليام جيمس/ جون ستيوارت مل..) حيث يقول بيرس: "إنَّ الحق يُقاس بمقياس العمل المنتج و ليس بمنطق العقل المجرد", حيث تقر بأن الحقيقة والصدق يكمنان في مدى إنتاجهما للمنافع و الغايات و المصالح وهذه الأخيرة تختلف من شخص لآخر , وأصبحت الحقيقة تكمن في كل ما هو نفعي عملي و مفيد, في هدا يقول وليام جيمس : "يقوم الصدق بكل بساطة فما هو مفيد لفكرنا و صائب فيما هو مفيد لسلوكنا " يهدا فالحقيقة عند جيمس ليست غاية في ذاتها بل هي مجرد وسيلة لتحقيق أغراض شخصية, وفي هدا الصدد يقول بيرس : " إن تصورنا لموضوع ما هو تصورنا لما قد ينتج عن هدا الموضوع من آثار علمية لا أكثر " و معنى هدا القول : أن المعارف الصحيحة إنما تقاس بالنتائج المترتبة عنها على ارض الواقع
و في الفلسفة الوجودية نجد الفرنسي جون بول سارتر الذي يرى أن مجال الحقيقة الأول هو الإنسان وحقيقة الإنسان تكمن في انجاز ماهيته لأنه في بداية أمره لا يملك ماهية فهو محكوم عليه بأن يختار مصيره ،
حيث يقول في هذا الصدد:" سأكون عندما لا أكون", أي أنَّ الوجود أسبق من الماهية أي أن الإنسان يوجد أولاً ثم يحدد مصيره و مستقبله, كما أنَّ الحقيقة تكمن في الإنسان فقط أي أنه وحده من يقرر ويختار مصيره و يُحدد ماهيته وهذه الأخيرة تتخذ شكلها النهائي عندما يموت الإنسان بالإضافة إلى أنها تختلف من شخص لآخر.
نقد: الحقيقة أسمى و أرقى بأن نربطها بالمنفعة لأنها لا تصلح أن تكون مقياساً لها , لأنَّ المنفعة تنجر عنها تجاوزات لا أخلاقية , أما بالنسبة للوجودية فقد حصرت الحقيقة في الإنسان , فهي تضرب الحقيقة والقيم الأخلاقية عرض الحائط.كما أننا نلاحظ أنَّ أنصار النسبية اهتموا بالحقائق المرتبطة بالواقع الحسي في حين أنَّ هناك حقائق عقلية مجردة فطرية ليست مرتبطة بالواقع فكيف نفسر هذه الحقائق؟؟
تركيب: الحقيقة نسبية في العالم الحسي التجريبي و مُطلقة في الحقائق الميتافيزيقية ( الغيبية).كما انَّ هذه الاخيرة هي الحقيقة النهائية و التي ينبغي الوصول إليها .
الرأي الشخصي: كان الإنسان ولا زال في رحلة البحث عن الحقيقة بمختلف مجالات العلم إلا أن كل العلوم و المعارف التي وصل إليها الإنسان تؤكد في طياتها على حقيقة ميتافيزيقية تفوق قدرة البشر "الله"وبالتالي فالعلم الذي لا يؤدي إلى الله ليس بعلم.
3-حل المشكلة:
وعليه فإننا نصل إلى أن الحقيقة تقاس بمدى وضوحها و بما تحققه من منافع ، فالعقل و المنفعة كلا منهما مشروطا بالآخر, لأن المعيار العقلي ضروري لكنه غير كاف ، فهو بحاجة إلى معيار علمي واقعي و هو المنفعة و النجاح ، وبالتالي فالأفكار الواضحة للإنسان تحتاج إلى التطبيق حتى لا تبقى مجرد نظريات لا وجود لها في الواقع
كما نستخلص أن الحقيقة الأسمى التي تهدف كل العلوم في الوصول إليها هي الحقيقة المطلقة, تكون هذه الأخيرة مطلقة عندما تصبح مجردة " ميتافيزيقية غيبية تفوق قدرة الإنسان وتصبح نسبية عندما تكون حسية واقعية مرتبطة بالإنسان وفي الأخير تبقى الحقيقة القصوى هي "الله". ورغم دلك فإن الإنسان يطمح دائما إلى بلوغ الحقيقة الأولى .

مزيد من المقالات اضغط فقط على مقالات فلسفية بالقائمة العلوية